
الخبر انتشر في الحي بتاعنا بسرعة، خصوصاً إن جيران كتير من اللي أكلوا من ايد نور نزلوا بوستات وشيروا القصة. مش عشان يفضحوا حد، لأ، بامتنان حقيقي. نزلوا صور الأطباق اللي نور عملتها، وقعدوا يشكروا في شطارتها وكرم أخلاقها.
الكومنتات كانت بتنهال:
“دي بتطبخ أحلى من أكبر المطاعم.”
“قولي لبنتك إن أكلها هو اللي صنع يومي.”
“البنت دي ليها مستقبل يبهر.”
نور كانت بتقرأ الرسايل وعينيها مبرقة من الذهول: “ماما.. هما بجد حبوا الأكل؟”.
صححت لها: “دول عشقوه”.
وشها نور من الفرحة.
بس طبعاً مش كله كان مبسوط.
أمي بعتتلي رسالة طويلة عريضة، بتتهمني إني “بتاعة دراما” و”بجرّس العيلة” و”بقلّب الغريب عليهم”.
مردتش عليها.
بابا سابلي رسالة صوتية.. صوته كان هادي، وتعبان، وبيعتذر. قال إنه كان يتمنى الأمور تمشي بشكل تاني، بس مش عارف يصلح الوضع إزاي من غير ما “يزعل الست الوالدة”.
مردتش عليه هو كمان.
مش غل ولا حقد، بس لأني مكنتش عارفة لسه هعمل إيه.
في الوقت ده، نور كانت بتزدهر.
بدأت تطبخ أكتر.. مش عشان واجب عليها، لأ عشان حابة ده. دورت على مدارس طبخ، وبدأت تصور أكلها وتعمل بورتفوليو صغير شغلها ع النت. الناس في المنطقة بدأت تطلب منها أوردرات مخصوص. وفي يوم الضهر، مزيد من القصص على موقع ثقف نفسك جت تمدلي تليفونها وهي مكسوفة: “ماما.. في حد عايز يدفعلي فلوس عشان أعمل أكل لمناسبة صغيرة”.
حضنتها لدرجة إنها ضحكت. “شوفتي إيه اللي بيحصل لما الناس تقدرك؟”. بس التعافي مش دايماً بيمشي في خط مستقيم. في يوم بليل، بعد 3 أيام من الخناقة، الباب خبط خبطات ثابتة وهادية. نور جسمها اتشد فوراً.
بصيت من العين السحرية.
ده بابا.
فتحت الباب بس موعتش من قدامه. “أهلاً يا بابا”.
كان باين عليه العجز أكتر من العادة، وكتافه محنية. كان ماسك علبة صغيرة في إيده. “أمل.. ممكن أتكلم معاكي؟”.
ترددت لحظة، وبعدين هزيت راسي بالموافقة.
دخل بهدوء. نور بصت من باب المطبخ بس مقربتش.
بابا بصلها وعينيه كلها حنية وكسرة نفس: “نور.. أنا مدين ليكي باعتذار.. اعتذار بجد”.
نور خرجت من المطبخ بحذر.
بابا كمل وصوته بيتهز: “أنا كنت عارف إنك بتطبخي حاجة، بس مكنتش أعرف إنك شايلة الليلة كلها. كان لازم أتأكد.. كان لازم أهتم أكتر. أنا آسف”.
نور بصتله فترة طويلة وبعدين سألت: “أمال فين تيتة؟ مجتش ليه؟”.
بابا اتنهد بتقل: “ستك.. صعب عليها تعترف بغلطها. مبتقبلش المواجهة والمحاسبة. بس ده مش ذنبك أنتي ولا حمل عليكي تشيليه”.
عيون نور دمعت: “الموضوع وجعني أوي يا جدو”.
قالها بصوت واطي: “عارف يا بنتي.. وهحاول أكون أحسن”.
مد إيده وادالها العلبة الصغيرة. كان جواها سكينة شيف احترافية، محفور عليها أول حروف من اسمها.
قالها: “عشان مستقبلك”.
عيون نور اتملت دموع.
كنت واقفة بتفرج عليهم، وحسيت إن في حاجة بتفك جوايا. الوضع مكنش مثالي، والجرح ملمش للاخر. بس دي كانت خطوة.. خطوة حقيقية.
بابا حضنها برقة، وبعدين بصلي وقال: “أمل.. أتمنى ييجي يوم وأمك تقدر تواجه الحقيقة دي. بس لحد ما ده يحصل، أنا هاجي لوحدي”.
ومشي بهدوء.
في الليلة دي، نور كانت ماسكة السكينة وكأنها ماسكة كنز. “ماما.. تفتكري الأمور هتتحسن؟”.
بوستها من جبينها وقولت: “أيوة يا حبيبتي.. يمكن مش بسرعة، ويمكن مش بالساهل.. بس هتتحسن”.
ومن جوايا، كنت متأكدة إن موهبة نور وطيبة قلبها وقوتها هيشيلوها ويطيروا بيها بعيد عن اللحظة دي.. أبعد بكتير من حدود خذلان أي حد تاني.
ساعات العيلة بتتشرخ.
وساعات بتميل.
بس ساعات، لما تاخد قرار إنك تحمي “اللي يستاهل الحماية” بجد..
العيلة بتكبر وبتنضج في الاتجاه الصح.
ساهم في نشر الثقافة والمعرفة
ال السابقة
اترك ردّاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.




