
نظر رودريغو إلى هكتور فرأى في عينيه شرا خالصا وغيابا تاما لأي رحمة ثم خفض بصره نحو الطفلة رموشها الطويلة وملامحها البريئة التي شوهها نقص الأكسجين فكر في أطفاله فكر في القرض فكر في الجوع
انقبضت معدته من الخوف إن غادر فسيخسر كل شيء الأمان الراتب مستقبل أسرته
ثم شعر بتشنج مفاجئ في جسد الطفلة خرج من صدرها نفس متقطع أشبه بالاحتضار
رفع رودريغو رأسه وكانت عيناه اللتان اعتادتا الخضوع تشتعلان بنار لم يرها هكتور من قبل
إذا حضر لي ورقة الفصل أيها الوضيع قال رودريغو بصوت ثابت وعميق أفضل أن أموت جوعا بضمير مرتاح على أن أعيش إنسانا حقيرا مثلك
من دون انتظار رد فتح باب الشاحنة وضع الطفلة بحذر في المقعد وربط حزام الأمان كما استطاع ثم قفز إلى مقعد السائق أدار المحرك الذي أطلق صوتا مبحوحا
وانطلق بأقصى سرعة تاركا هكتور يصرخ بالشتائم وسط غبار ودخان
كانت الطريق الدائرية M40 فخا قاتلا في ذلك الوقت حركة المرور في مدريد معروفة بازدحامها ولم تكن تلك الأمسية استثناء كان رودريغو يقود بيد واحدة وبالأخرى يثبت رأس الطفلة كي لا ترتطم مع اهتزازات الطريق
اصمدي يا صغيرة أرجوك اصمدي كان يتحدث بصوت مرتفع والدموع تعمي بصره اسمي رودريغو كل شيء سيكون بخير وصلنا تقريبا لا تنامي لا ترحلي!
نظر إلى عداد السرعة كان يسير بسرعة مئة وأربعين كيلومترا في منطقة الحد الأقصى فيها مئة كان يناور بين السيارات يسلك كتف الطريق يضغط على المنبه بجنون السائقون الآخرون كانوا يطلقون الأبواق ويصرخون دون أن يعلموا أن داخل تلك الشاحنة القديمة المثقوبة تدور معركة بين الحياة والموت
بدأ جسد الطفلة يرتجف بتشنجات خفيفة
لا لا لا! صرخ رودريغو
رأى دورية للحرس المدني عند نقطة تفتيش في الأمام بدل أن يبطئ زاد السرعة وأطلق المنبه وومض بالأضواء
خرج أحد عناصر الحرس إلى الطريق يلوح له بالتوقف ويده قريبة من سلاحه فرمل رودريغو فجأة فانزلقت الشاحنة وخفض النافذة وهو يصرخ
أحمل طفلة تحتضر! يجب أن أصل إلى مستشفى لا باز! أرجوكم ساعدوني!
نظر الشرطي
وكان شابا حاد النظرات داخل الشاحنة رأى الطفلة الشاحبة جسدها الساكن لم يطلب أوراقا ولم يطرح أسئلة تغير وجهه فورا من الصرامة إلى الفعل
اتبعني! صرخ وهو يركض نحو سيارته التصق بمصدي ولا تبتعد!
انطلقت صفارات الحرس المدني تعوي في الهواء انشق الزحام كما انشق البحر ضغط رودريغو على دواسة الوقود يتبع الأضواء الزرقاء وهو يبكي امتنانا
شكرا لك يا عذراء ألمودينا شكرا كان يهمس
وصلوا إلى مستشفى جامعة لا باز في وقت قياسي أوقف رودريغو الشاحنة عند مدخل الطوارئ قفز منها حمل الطفلة واندفع عبر الأبواب الزجاجية
طبيب! أحتاج طبيبا فورا! دوى صوته في قاعة الانتظار المزدحمة
اندلع الاضطراب ركضت ممرضتان وحامل نقالة نحوه وانتزعن الطفلة من ذراعيه ووضعنها على السرير المتحرك
ماذا حدث سألت طبيبة وهي تضع قناع الأكسجين وتشق قميص الطفلة لتثبيت الأقطاب
وجدتها في الشارع في فيافيردي أعتقد أنها أصيبت بضربة حر أغمي عليها لا تستجيب ونبضها ضعيف جدا قال رودريغو وهو يلهث ويداه الملطختان بالشحم تلطخان أرض المستشفى البيضاء
إلى الإنعاش فورا! أمرت الطبيبة حالة طوارئ قصوى!
اختفت النقالة خلف الأبواب المتأرجحة
بقي رودريغو واقفا وحده في
الممر سقط عليه الصمت فجأة أصبح صوت
أنفاسه عاليا في أذنيه نظر إلى يديه المتسختين إلى بدلته الزرقاء الملطخة بالزيت والعرق كان الناس في قاعة الانتظار ينظرون إليه بعضهم باشمئزاز وبعضهم بفضول
شعر بالصغر شعر بالقذارة وقبل كل شيء شعر بالرعب
كان قد خسر عمله انتهت حياته كما كان يعرفها




