
الأول: تووقع على إقرار التنازل الكلي عن أي حقوق لك في شقة حدائق القبة، وتوقع على ورقة التنازل عن حضانة الطفل وفحوصات النسب، مع الإبرار التام لمدام مريم من أي مؤخر أو نفقة، وتوقع على ورقة الطلاق الرسمي فوراً برضاك.. وفي مقابل ده، مدام مريم هتتنازل عن البلاغات الجنائية وقضايا التزوير والإضرار العمدي.”
— “والخيار التاني؟” سأل طارق بصوت بيطلع بالروح.
— “الخيار التاني إنك تخرج من الباب ده، وعلى أول الشارع هتلاقي عربيات النيابة العامة اللي معاها أمر ضبط وإحضار لك ولأختك بتهمة التزوير والمشاركة في الإضرار العمدي.. والتهم دي عقوبتها مش أقل من 7 لـ 10 سنين سجن مشدد.”
فاطمة جريت على أخوها ومسكت في قميصه وهي بتصرخ بصوت هستيري:
— “وقع يا طارق! وقع ونبي أنا مش عايزة أتسجن! أنا خايفة يا طارق وقع!”
طارق بص للقلم.. إيده كانت بتترعش زي أوراق الشجر في العاصفة.
مسك القلم وهو حاسس إن روحه بتتسحب منه. مسك الورق، ورقة ورقة.. يوقع اسمه عليها: “طارق عبد الرحمن”.
كل توقيع كان بيقطع خيط من خيوط حياته القديمة، بيمحي مستقبله، بيمحي حلمه في الفيلا، في العربية، في الفلوس، في المركز الاجتماعي، وفي ابنه اللي هيتولد ويشيل اسم عيلة تانية.
بعد ما خلص توقيع، الأستاذ طاهر أخد الورق، راجعه بدقة، وبعدها شاور للمحامي اللي جنبه:
— “جهز إشهار الطلاق ورتب الأوراق الرسمية.”
بص طارق للمحامي وقال وهو بيبكي بدموع حقيقية لأول مرة في حياته:
— “هي مريم.. مريم وقفت في القطر من غير ما تبكي أو تتكلم ليه؟ ليه ما صرختش فيا؟ ليه ما قالتليش أنت بتعمل إيه؟”
الأستاذ طاهر بص له وهو بيلف الملفات:
— “لأن الست لما بتوصل لمرحلة إنها تحس إن الشخص اللي معاها مش سند، ما بتبكيش يا طارق.. وما بتعاتبش. السكوت ساعتها ما بيكونش ضعف.. بيكون قرار نهائي. وأنت سقطت في نظرها من المحطة الأولى.”
طلع طارق وأخته من البرج الإداري.
الشمس كانت في كبد السماء، والحرارة شديدة.
وقفوا على الشارع.. طارق معاه شنطة بلاستيك فيها الموبايل بتاعه وورقة الطلاق، ومفيش في جيبه غير كام جنيه فكة.
فاطمة سابته ومشت وهي بتعيط وبتدعي عليه.
طارق قعد على الرصيف في وسط الشارع، والناس رايحة وجاية، وهو قاعد حاطط وشه بين إيديه، سامع صوت القطر وهو بيبعد في محطة أسيوط.. وصوت مريم وهو بيتكرر في دماغه.
مرت أسابيع على ذلك اليوم الذي انقلبت فيه حياة طارق رأساً على عقب. أصبحت أزقة القاهرة وشوارعها الضيقة تسحبه وتلف به في دوامة لا ترحم. انتقل للعيش في غرفة صغيرة بالإيجار في إحدى المناطق العشوائية، غرفة بسقف متهالك ونافذة تطل على حارة ضيقة.
كان يصحو كل يوم على صرير السيارات، ينظر في يديه اللتين لم تعرفا العناء يوماً عندما كان يتنعم بمال مريم وفيلا التجمع الفارهة. شغل باله طوال هذه الفترة بالبحث عن عمل، لكن الواقع كان أشد قسوة. بمجرد أن يقدم أوراقه في أي شركة أو مكتب، كان يصله الرفض الفوري؛ فنفوذ عائلة مريم القانوني والاستثماري وشبكة علاقات والدها كانت قد وضعت اسمه في القوائم السوداء في سوق العمل بأكمله.
حتى أخته فاطمة، تركه الجميع في مواجهة مصيره. أغلقت بابها في وجهه، وعادت لتعيش في خوف وانعزال.
وفي صباح يوم شديد البرودة من شهر فبراير، وفي أحد المستشفيات الخاصة الفخمة بمنطقة المعادي، كانت مريم تتمدد على سرير مريح في جناح ملكي محاط بالورود البيضاء والهدوء التام.
كان والدها يقف بجوار النافذة، يحتضن بين يديه كوباً من القهوة الدافئة، بينما المحامي طاهر يقف عند الباب ومعه بعض الأوراق الخاصة بنقل ملكيات جديدة ومحافظ استثمارية أضيفت باسم المولود الجديد.
صوت بكاء خفيف وناعم أترع الغرفة دفئاً..
ولدت مريم طفلها الأول، صبياً جميلاً، أطلقت عليه اسم “يوسف”.
نظرت مريم إلى طفلها الصغير المحضون بين ذراعيها، وقبلت جبهته الناعمة. لم يكن في عينيها قطرة واحدة من الحزن أو الندم على الماضي، بل كانت نبرة الرضا والثبات هي كل ما يكسو ملامحها.
قال والدها وهو يقترب منها ويقبل رأسها حانياً:
— “حمد الله على سلامتك يا مريم.. يوسف نوّر الدنيا يا حبيب باباه. كل حاجة ترتبت زي ما خططنا بالضبط.”
ابتسمت مريم بابتسامة هادئة وقالت:
— “الله يسلمك يا بابا.. أنا مش متخيلة إني كنت همر باللحظة دي وأنا على ذمة إنسان كان ممكن يرمي ابنه ونفسه عشان شوية مظاهر فارغة.”
في تلك الأثناء، أخرج الأستاذ طاهر هاتفه وقدمه لمريم:
— “مدام مريم، طارق بقاله أسبوع محاصر بوابة العمارة القديمة ومكتب السكرتارية، وبيحاول بكل الطرق الممكنة يوصل لخبر عن ولادتك. للأسف الموقف القانوني حاسمه تماماً، لكنه حاول يبعت الرسالة الصوتية دي عن طريق واحد من أصحابه القدامى.”
نظرت مريم للهاتف ثوانٍ معدودة، ثم هزتاتها بالرفض دون أن تمسكه:
— “امسح الرسالة يا أستاذ طاهر. أنا مش محتاجة أسمع صوته، ولا محتاجة أعرف هو بيحس بإيه. طارق بالنسبة لي مرحلة وانتهت من يوم ما نزلت على رصيف محطة أسيوط. اللي يتخلى عن كرامة مراته وهي شايلة ابنه في بطنها، مالوش وجود في حاضرنا ولا مستقبلنا.”
أومأ الأستاذ طاهر باحترام ومسح التسجيل فوراً:
— “تمام يا فندم. أحب أبلغ حضرتك إن إجراءات تغيير الأوراق الرسمية ليوسف تمت بالكامل، وهو حالياً مسجل كحفيد رسمي لعائلة الألفي، وجميع أملاكه وأصوله المستقلة تم وضعها في صندوق استثماري مغلق.”
في هذه الأثناء، كان طارق يقف على بعد أمتار من البوابة الخارجية للمستشفى. كان يرتدي معطفاً متهالكاً، ووجهه الذابل تحيط به لحية مهملة. كان يحاول الدخول أو معرفة أي خبر عن زوجته السابقة وما إذا كانت قد وضعت مولودها أم لا.
لكن رجال الأمن الخاص المكلفين بحراسة المستشفى يمنعونه بصرامة.
— “يا أستاذ اخرج برة! إحنا عندنا أوامر مشددة بمنعك من دخول المبنى أو الاقتراب من السور حتى. لو ما مشيتش حالاً هنبلغ نجدة المعادي.”
صرخ طارق بقلة حيلة وصوته يتهدج بالدموع:
— “أنا أبوه! يا ناس افهموا أنا عايز أشوف ابني بس! عايز أطمن على مريم! أنا غلطت وعارف إني غلطت بس حرام حرماني منه كده!”
خرج الأستاذ طاهر في تلك اللحظة من البوابة الرئيسية متجهاً لسيارته. وعندما رأى طارق يتعارك مع الحراس، أشار للحراس بالابتعاد قليلاً ووقف أمامه بجمود.
تقدم طارق خطوة ونزل على ركبتيه تقريباً أمام المحامي:
— “أستاذ طاهر! أرجوك.. خلي مريم تخليني أشوف الولد بس دقيقة واحدة! مش عايز منها فلوس، مش عايز أرجع الفيلا، ومش عايز أي حاجة من أملاكها! أنا بس عايز ألمس ابني وأقوله إني آسف!”
نظر إليه الأستاذ طاهر بنظرة سردت كل معاني الحسرة والازدراء، ثم قال بصوت خفيض وواضح:
— “الآسف دي بتقولها لما تغلط في حق حد في الشارع غصب عنك يا طارق.. مش لما تسيب شرفك ومراتك الحامل بتموت من التعب والوقوف في القطر عشان توفر تذكرة VIP لأختك!”
ثم استطرد المحامي وهو يفتح باب سيارته:
— “مريم ولدت النهاردة، ويوسف نزل الدنيا في مكان نظيف ومحترم، بين ناس يصونوه ويحموه.. والنعمة لما بتيجي للإنسان وهو مش مقدرها، بتروح منه وما بترجعش تاني أبداً.”
تحركت سيارة المحامي ورجال الحراسة خلفها، وتركوا طارق واقفاً في منتصف الشارع، يكسره البرد وتجلده الحسرة.
مرت الأيام والشهور، ودخل الصيف ثم جاء الخريف.
عادت مريم لممارسة نشاطها الاستثماري من جديد، ولكن هذه المرة بقلب أكثر قوة وعقل أكثر صلابة. أنشأت مؤسسة جديدة لتطوير حلول البرمجيات والأمن السيبراني، وأطلقت عليها اسم “يوسف تكنولوجي”. أصبحت إحدى سيدات الأعمال البارزات في مصر، وتصدرت صورها المجلات الاقتصادية كنموذج للمرأة الناجحة القوية التي تبني إمبراطوريتها بعرقها وذكائها.
في المقابل، كان طارق قد وصل إلى القاع. عمل في أحد المستودعات الصغيرة لنقل البضائع وتفريغ الصناديق في منطقة نائية، يتقاضى أجراً يوفر له لقيمات يسد بها رمقه. في كل مرة كان يحمل فيها صندوقاً ثقيلاً على ظهره ويشعر بالوجع يمزق فقراته، كان يتذكر موقف مريم في ذلك القطر..
وفي مساء أحد أيام شهر ديسمبر، وفي احتفالية ضخمة أقيمت بأحد أكبر الفنادق على النيل بمناسبة تأسيس الشركة الجديدة، كانت مريم تقف بلباس أسود أنيق، ممسكة بطفلها يوسف الذي بلغ من العمر عدة أشهر، وحولها كبار رجال الدولة والاستثمار ورجال الأعمال.
وقف والدها بجوارها والتقط الميكروفون ليقول أمام الحضور:
— “النهاردة أنا مش بس فخور بـ مريم كنجمة في عالم الاستثمار.. أنا فخور بيها لأنها أثبتت إن الست القوية هي اللي تعرف تختار صح، وتعرف تحمي بيتها وابنها، وتعرف ترمي ورا ظهرها أي حد يظن إن طيبتها أو سكوتها نقطة ضعف!”
صفق الجميع بحرارة، وابتسمت مريم بوقار، ثم رفعت نظرتها نحو أضواء النيل الهادئة، وتذكرت الليلة التي نزلت فيها من القطر في محطة أسيوط، وكيف كان ذلك القرار الشجاع الصامت هو بداية لحياة جديدة ومختلفة تماماً.
أما على رصيف إحدى محطات القطارات بضواحي الجيزة.. كان طارق يجلس على صندوق خشبي، يرتدي ملابس العمل المتسخة، ويحمل في يده جريدة قديمة ملقاة على الأرض.
فتح الصفحة الاقتصادية بالصدفة، لتقع عيناه على صورة مريم العريضة وهي تتوسط الاحتفال ومعها طفلها الصغير.
انهمرت الدموع من عينيه بكثافة حارقة، ومسح بأصابعه صورة ابنه وزوجته السابقة، وهو يعلم في أعماق قلبه أنه لن يستطيع قط مساس هذا العالم الذي فرط فيه بغبائه وقسوته.
قام من مكانه ببطء، وجر قدميه بين أزقة المحطة، بينما كان صوت صفارة القطر القادم من بعيد يدوي في أذنيه كأنه يذكره في كل لحظة بأنه هو من أضاع حياته بيده.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


