منوعات

قرار وزارة الأوقاف الجديد

بين الروحانية والتنظيم: قرار “الأوقاف” حول مكبرات الصوت في رمضان

​مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تتجه الأنظار دائماً نحو المساجد التي تمثل قلب هذا الشهر النابض. إلا أن قرار وزارة الأوقاف بمنع بث قرآن المغرب والفجر عبر مكبرات الصوت الخارجية والاكتفاء بالسماعات الداخلية، أثار حالة من النقاش المجتمعي الواسع بين مؤيد يرى فيه خطوة نحو التحضر والهدوء، ومعارض يشعر بفقدان جزء من “هيبة” وطقوس الشهر الكريم.

​سياق القرار وأبعاده

​القرار ليس وليد الصدفة، بل هو جزء من خطة شاملة تتبعها الوزارة لتنظيم الشعائر الدينية بما يضمن عدم التداخل بين أصوات المساجد المتقاربة. تنص التعليمات على أن يقتصر استخدام المكبرات الخارجية على الأذان وخطبة الجمعة فقط، في حين تُنقل صلاة التراويح والقرآن الذي يسبق أذان المغرب والفجر عبر السماعات الداخلية للمسجد.

​الهدف الأساسي الذي تعلنه الوزارة هو “منع التشويش”. ففي الكثير من الأحياء المكتظة، يؤدي تداخل الأصوات من مساجد وزوايا متلاصقة إلى عدم قدرة المصلين على التركيز في صلاتهم، بل ويتحول الأمر أحياناً إلى ضجيج يصعب معه تمويل الآيات القرآنية بتمعن.

​الحجج المؤيدة: الخصوصية والسكينة

​يرى المدافعون عن القرار أنه يعيد للعبادة روحانيتها الهادئة. ومن أبرز الحجج المطروحة:

​مراعاة المرضى والطلاب: وجود مكبرات صوت قوية في ساعات الفجر أو قبيل المغرب قد يشكل عبئاً على المرضى، كبار السن، أو الطلاب الذين يستعدون للامتحانات.

​أدب الاستماع للقرآن: يقول البعض إن بث القرآن في الشوارع حيث الضجيج وحركة البيع والشراء قد يتعارض مع جلال الآيات التي تستوجب الإنصات، كما في قوله تعالى: “وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”.

​التطور العمراني: مع الكثافة السكانية الحالية، لم تعد المكبرات الخارجية ضرورة لإيصال الصوت كما كانت قديماً، بل أصبحت السماعات الداخلية الحديثة كافية جداً لإيماع المصلين داخل المسجد.

​وجهة النظر المعارضة: الحنين والارتباط الوجداني

​على الجانب الآخر، يشعر قطاع من الجمهور بأن هذا القرار ينتقص من “فرحة رمضان”. بالنسبة للكثيرين، ارتبط صوت الشيخ محمد رفعت أو النقشبندي عبر مآذن المساجد قبل المغرب بوجدانهم، وهو “العلامة المسجلة” التي تعلن الصيام والقيام. يرى المعارضون أن هذه الأصوات هي جزء من الهوية المصرية الأصيلة، وأن منعها يقلل من الأجواء الاحتفالية الروحية التي تميز مصر عن غيرها من الدول.

​نحو توازن مرن

​إن القضية ليست “منعاً للذكر” كما قد يصورها البعض، بل هي قضية تنظيمية بحتة. الحل الأمثل قد يكمن في إيجاد توازن؛ كأن يتم توحيد الأذان أو اختيار أصوات ندية لا تسبب إزعاجاً، مع الالتزام بمستويات صوت (ديسيبل) محددة لا تتجاوز الحدود المسموحة قانونياً وصحياً.

​في الختام، يبقى شهر رمضان شهراً للعبادة والسكينة. ورغم اختلاف الآراء حول “الميكروفون”، إلا أن الجوهر يظل في المسجد وما يقدمه من طمأنينة للمصلين. فالقرار يهدف في النهاية إلى جعل المسجد مكاناً للخشوع لا للتنافس في قوة الصوت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى