
صندوق الحكايات المنسية
في شارعٍ لا ينام، وتحت ضوء عمود إنارة يرتعش نوره فوق الرصيف البارد، كانت تجلس “أم صابر”. لم تكن مجرد امرأة تطلب العون، بل كانت جزءًا من جغرافيا المكان، كالمباني العتيقة خلفها بأبوابها الحديدية المغلقة التي شهدت عقودًا من الزمن. كانت تجلس بوقارٍ لا ينكسر، مرتدية جلبابها البني الذي صار بلون الأرض، وحجابها المنقوش الذي يلف وجهًا حفر فيه الزمان أخاديد من الشقاء والصبر.
-
لو عايز تشوف عدل ربنايوليو 8, 2026
-
هيئة الدواء تحذر من المضادات الحيويةمايو 11, 2026
-
قصة بنت صغيرة استخبت في عربية مليارديرمايو 11, 2026
-
هل أكل البيض يوميًا يرفع الكوليسترول؟ الطبيب يجيبمايو 11, 2026
أمامها، استقر ذاك الصندوق الخشبي القديم، الذي يفوح منه عبير بخور “العود” و”المستكة”، وبجانبه كتابٌ مفتوح، صفحاته مائلة للاصفرار، يحوي كلماتٍ من النور كانت تميمة حظها في ليالي الوحشة. لم تكن تنظر إلى المارة بعين الاستجداء، بل كانت عيناها، الغارقتان بالدموع، تحلقان بعيدًا، ربما نحو ذكريات بيتٍ كان دافئًا، أو نحو وجه ابنٍ غاب في زحام الحياة ولم يعد.
الحنين في جوف الليل
مع كل سيارة تمر، كان انعكاس الأضواء يلمع في عينيها الدامعتين. “يا رب، أنت السند”، كانت تهمس بها لنفسها بينما تعبث أصابعها بطرف كيس قماشي قديم تحمله بين يديها. في ذاك الصندوق، لم تكن تجمع الجنيهات القليلة فحسب، بل كانت تجمع أسرار المارة؛ ذاك الشاب الذي ألقى بقطعة معدنية وهو يبكي، وتلك الفتاة التي ابتسمت لها وهي تشتري عود بخور لتطيب به غرفتها.
لقد كانت “أم صابر” ترى في البخور رسائل سماوية؛ تقول دائمًا: “الدخان يتصاعد للأعلى، يحمل معه دعواتنا الصادقة التي تعجز ألسنتنا عن نطقها”. كانت تشعر بأنها حارسة هذا الشارع ليلًا، تبارك المارة بدعواتها الصامتة، وتؤنس وحشة الرصيف بوجودها الهادئ.
انكــ,سار وأمل
في تلك اللحظة التي وثقها المشهد، كانت أم صابر قد استسلمت للحظة ضعف إنساني. تذكرت “صابر”، ابنها الذي سافر منذ عشر سنوات واعدًا إياها بأن يعود ليشتري لها شقة تطل على النيل، بدلاً من تلك الغرفة الضيقة التي تسكنها فوق أسطح إحدى البنايات. مرت السنوات، وانقطعت الأخبار، ولم يتبقَ لها سوى هذا الصندوق وذاك الكتاب وصورة صابر التي تخبئها في ثنايا ثوبها.
رغم الدموع، لم تكن منكسرة. كانت ترفع رأسها بين الحين والآخر لتتأمل النجوم التي تحاول الظهور من خلف غبار المدينة. كانت تؤمن أن الرزق ليس فقط في “الخمسة جنيهات” الورقية القابعة في صندوقها، بل في “الستر” وفي قدرتها على الوقوف كل يوم ومواجهة العالم بوجهٍ صابر.
خاتمة الرحلة اليومية
حين بدأ الفجر يشق رداء الليل، قامت أم صابر ببطء، لملمت أغراضها، وأغلقت صندوقها الخشبي بحرص كما يُغلق المحب على سرٍ دفين. مسحت دموعها بطرف حجابها، ونهضت بخطوات متثاقلة لكنها واثقة، متجهة نحو مخبزٍ قريب لتشتري رغيفين من الخبز الدافئ.
في تلك اللحظة، لم تكن مجرد “بائعة رصيف”، بل كانت رمزًا لكل الأمهات اللاتي يحملن أوجــ,اع الدنيا فوق أكتافهن ويمشين بها دون أن يسقطن. رحلت أم صابر، لكن رائحة بخورها ظلت عالقة في زوايا الشارع، تذكر كل من يمر بأن خلف كل وجه حزين، قصة صمود تستحق أن تُروى.








