
جوزی حجز تذاكر الدرجة الأولى لنفسه ولأخته، وسابني وأنا حامل في الشهر السابع واقفة على رجلي في قطر رايح أسوان. ولما الاتنين قعدوا يتريقوا عليا، ما نطقتش ولا كلمة. وفي أول محطة نزل فيها القطر، اختفيت. وكان فاضل له ييجي 15 ساعة سفر عقبال ما اكتشف أنا عملت إيه.
قبل راس السنة بتلت أيام، جوزي أكد لي إن مفيش ولا تكت طيران واحدة فاضية عشان نرجع بيها القاهرة.
— “سألت في كل حته يا مريم. كله مقفول! يا إما نطلع بالقطر، يا إما نقضي راس السنة بعيد عن أهلي.”
حتى مكلّفش نفسه يرفع عينيه من الموبايل وهو بيكلمني.
وأنا كنت حامل في الشهر السابع.
رجليا كانت وارمه زي البلونه في آخر اليوم، وضهري كان بيموتني حتى وأنا نايمة، والدكتورة لسه محذارني من أي سفر يتعبني.
طارق كان عارف كل ده.
وبرضه حجز التذاكر.
أول خيط للمأساة ظهر لما وصلنا محطة مصر.
طارق وأخته فاطمة كان معاهم تذاكر VIP، كراسي واسعة بتترد لورا وتقريبًا تنام عليها، ويدخلوا بيها صالة الكبار مع أكل وخدمة نضيفة.
أنا بقى تذكرتي كانت أرخص درجة.
فوق ده كله.. الكرسي بتاعي طلع متكرر!
الموظفة قالت لي إن فيه حجز زيادات، ولازم أستنى لما حد ينزل في المحطات اللي جاية عشان ألاقي مكان فاضي.
بصيت لطارق:
— “أنت كنت عارف بالكلام ده؟”
فاطمة كانت بتفرد نفسها عالكرسي المريح وبتقول:
— “ما تعمليهاش حكاية بقى يا مريم! أكيد حد هينزل في المحطة اللي جاية.”
وطارق هز كتفه ببرود:
— “أنتِ حامل.. مش مشلولة يعني!”
فضلت باصاله ومستنية يبتسم.. مستنية يقول إنه بيهزر.
الضحكة ما جتش.
قضيت ساعات واقفة جنب عربية البضائع والشنط، أنقل تقلي من رجل لرجل والقطر بيتهز على القضبان.
مع كل فرملة كنت بتمسك في أي حاجة عشان ما أقعش.
ومع كل ملف كنت بحس ببطني بتقلت أكتر.
طارق طلب عصير ومشروبات فرِش.
وفاطمة طلبت أكل وحلويات.
وأنا كنت بشرب بؤ مية من إزازه في شنطتي.
بعد كم ساعة، فاطمة طلعت رأسها من عربية الـ VIP:
— “إيه ده؟ أنتِ لسه واقفة؟”
طارق بصلي وضحك:
— “سيباها.. يمكن الحركة دي تفيدها وتعتبرها تمارين للولادة!”
الاتنين قعدوا يضحكوا.
ما بكيتش.
ما تناقشتش.
فيه حاجة جوايا انطفت تمامًا في السكوت ده.
حاجة ما اتكسرتش.. هي بس ماتت.
بقاله سنتين طارق فاهم إن صبري وطول بالي ضعف واحتياج ليه.
كان بيموت ويقعد في العزومات يتباهى إنني سبت الشغل بعد الجواز عشان هو يقدر يصرف عليا ويشيلني.
هو فعليًا صح.. أنا مكنتش بشتغل.
بس اللي عمره ما قاله ولا عرفه.. هو ليه؟
قبل ما نتجوز بـ 18 شهر، كنت بايعة شركة الأمن السيبراني اللي أنشأتها وأنا عندي 26 سنة بمبلغ خيالي.
وما كانش يعرف برضه إنني لسه بأدير أصول وودايع عيلتي، اللي قيمتها تعدي كل اللي عيلته جمعته على مدار 3 أجيال.
والفيلا اللي في التجمع اللي طارق كان بيقول عليها بكل فخر “فيلتنا” قدام أصحابه وزمايله..
دي كانت متأجرة ومشتراه بفلوسي من حساباتي الخاصة.
كاش، من غير أي أقساط ولا قروض.
واسمه عمره ما اتحط في عقد ولا ورقة.
أنا ما خبيتش عنه ده عشان أخدعه.
أمي اتوفت وأنا عندي 29 سنة، ومن بعدها قرفت من كل راجل يدخل حياتي يدور الأول على اسم العيلة وثروتها.
لما عرفت طارق، كنت عايزة أحس إن فيه حد بيختارني أنا.. عشان نفسي، مش عشان الفلوس اللي ورايا.
عشان كده أبعدت العالم ده تمامًا عن جوازنا.
بس ساعتها بس فهمت غلطتي.
طارق تفسيره لخصوصيتي وهدوئي كان إنني ماليش ظهر ولا قوة.
على نص الليل كده، القطر وقف في محطة أسيوط.
طارق كان غرقان في النوم.
وفاطمة حاطة السماعات في ودنها وبنتفرج على فيلم.
سحبت شنطتي.
ونزلت.
الهوا الساقع خبط في وشي أول ما طلعت على الرصيف.
وقفت أبص على أنوار القطر الحمرا وهي واقفة.
مسكت الموبايل وطلبت الرقم الوحيد اللي طارق بقاله سنين هيموت ويتقرب منه ويحاول يبهر أصحابه بمعرفته.
أبويا.
رد من تاني رنة.
— “مريم؟”
حاولت أطلع صوتي طبيعي:
— “بابا..”
سكت ثانية، وبعدها قال:
— “في إيه؟ جرالك حاجة؟”
بصيت من شباك القطر.. طارق كان لسه نايم في التكييف والمكان المريح.
— “ممكن تبعتلي عربية السواق بالطيارة الخاصة؟”
أبويا سكت كذا ثانية، وبعدها نبرة صوته اتغيرت تمامًا.. بقت باردة، وحاسمة:
— “الطيارة والرجال يرتّبوا أمورهم في ظرف ثلث ساعة بالكتير يا مريم.. بس طلبي الوحيد منك تثبتي مكانك وما تتحركيش خطوة واحدة لحد ما تليفونك يرن وتسمعي صوت المحامي طاهر بالخارج.”
قفلت مع بابا، ومسكت الموبايل بأيد متلجة. وقفت في ركن هادي ومستخبي في رصيف محطة أسيوط، بعيد عن زحمة النازلين والطالعين، ولابسة الجاكيت التقيل مغطية بي بطني ووشي عشان محدش يلاحظني. بصيت للساعة.. كانت 1:15 صباحاً، والقطر صرير عجلاته ابتدى يتحرك ببطء، والدخان الأبيض بيطلع منه وهو بيبعد، شايل معاه طارق اللي غرقان في نومه، وأخته اللي مستمتعة بالفيلم والتكييف، فاكرين إنني لسه واقفة ورا محشورة بين الشنط وعربات البضاعة.
بعد أقل من ربع ساعة، تليفوني رن. كان الأستاذ طاهر، محامي العيلة المسئول عن إدارة ممتلكاتنا القانونية.
— “مساء الخير يا مدام مريم. بابا حضرتك بلغني بكل حاجة. الطيارة الخاصة للشركة طلعت حالياً من مطار ألماظة ومُتجهة لمطار أسيوط الدولي، وفي ظرف نص ساعة هتوصل. قدام بوابة المحطة الرئيسية في عربية جيب سوداء بسواق حراسة منتظرة حضرتك دلوقتي عشان تنقلك للمطار فوراً.”
مشيت ببطء وثبات ناحية الخروج. لأول مرة من ساعات أتنفس من غير ما أحس بوجع ضهري أو ثقل الحمل اللي كان بيزيد مع تهشيم كرامتي. العربية كانت واقفة منتظراني، السواق نزل بسرعة أول ما شافني، فتح الباب بأدب واحترام شديد، وشال شنطتي الخفيفة:
— “ألف سلامة على حضرتك يا هانم، المطار جاهز وطيارة سيادتك قيد الإنتظار.”
وصلت المطار، وكل الإجراءات اتفتحت لي في ثواني معدودة بدون أي انتظار. ركبت الطيارة الخاصة، الكرسي السرير الواسع المتنجد بالجلد الناعم استقبل جسمي المرهق، والممرضة اللي كانت موجودة على الطيارة بناءً على طلب بابا، قربت مني فوراً بفحوصات سريعة وضغط دم ومشروب دافي يهديني.
أول ما الطيارة طلعت في السما، غمضت عيني، وحسيت بنوم عميق لم يزره جفني من أشهر.
على الجانب الآخر.. القطر كان بيقطع المسافات في اتجاه الأقصر وأسوان.
طارق صحي على الساعة 8 الصبح. الشمس كانت طالعة ونورها ضرب في العربية VIP. اتطوح وهو بيتمطّع، ونادى على فاطمة:


